القرطبي

423

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

عليه وسلم لهم : " قولوا سمعنا وأطعنا " يجئ منه الامر بأن يثبتوا ( 1 ) على هذا ويلتزموه وينتظروا لطف الله في الغفران . فإذا قرر هذا الحكم فصحيح وقوع النسخ فيه ، وتشبه الآية حينئذ قوله تعالى : " إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ( 2 ) " فهذا لفظه الخبر ولكن معناه التزموا هذا وأثبتوا ( 3 ) عليه واصبروا بحسبه ، ثم نسخ بعد ذلك . وأجمع الناس فيما علمت على أن هذه الآية في الجهاد منسوخة بصبر المائة للمائتين . قال ابن عطية : وهذه الآية في " البقرة " أشبه شئ بها . وقيل : في الكلام إضمار وتقييد ، تقديره يحاسبكم به الله إن شاء ، وعلى هذا فلا نسخ . وقال النحاس : ومن أحسن ما قيل في الآية وأشبه بالظاهر قول ابن عباس : إنها عامة ، ثم أدخل حديث ابن عمر في النجوى ، أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما ، واللفظ لمسلم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " يدنى المؤمن [ يوم القيامة ( 4 ) ] من ربه عز وجل حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه فيقول هل تعرف فيقول [ أي ( 4 ) ] رب أعرف قال فإني قد سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها لك اليوم فيعطى صحيفة حسناته وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق هؤلاء الذين كذبوا على الله " . وقد قيل : إنها نزلت في الذين يتولون الكافرين من المؤمنين ، أي وإن تعلنوا ما في أنفسكم أيها المؤمنون من ولاية الكفار أو تسروها يحاسبكم به الله ، قاله الواقدي ومقاتل . واستدلوا بقوله تعالى في ( آل عمران ) " قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه - من ولاية الكفار - يعلمه الله " يدل عليه ما قبله من قوله : " لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ( 5 ) " . قلت : وهذا فيه بعد ، لان سياق الآية لا يقتضيه ، وإنما ذلك بين في " آل عمران " والله أعلم . وقد قال سفيان بن عيينة : بلغني أن الأنبياء عليهم السلام كانوا يأتون قومهم بهذه الآية " لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله " . قوله تعالى : ( فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي " فيغفر - ويعذب " بالجزم عطف على الجواب . وقرأ ابن عامر وعاصم بالرفع

--> في ب وط : ويبنوا وفى عطية : يمسوا . ( 2 ) ارجع ج 8 ص 44 ( 3 ) كذا في ابن عطية . وفى ب وج‍ وه‍ : وابنوا . ( 4 ) الزيادة من صحيح مسلم . ( 5 ) راجع ج 4 ص 57